أبو علي سينا

170

القانون في الطب ( طبع بيروت )

وتأذ بالحرارات ، ويتبعه ذوبان يبتدئ من الأخلاط ، ثم من لحم الكبد ، ويتبعه سحج ، قد تيبس معه الطبيعة من غير وجع في الأضلاع ، أو ثقل ، ويكثر معه القيء الأصفر والأحمر والأخضر الكراثي ، ويكون معه البراز المري كثيراً ، خصوصاً إن كان هناك مع المزاج مادة ، وإن لم يكن قل الدم ، وخشن اللسان ، ونحف البدن . وقد يستدل على ذلك من العادة ، والسنّ . والحرفة ، والتدبير . والوسط منه يولد الصفراء ، والمفرط يولد السوداء ، وأمراضها عن المالنخوليا والجنون ونحوه . وإذا ابتدأ الإسهال الغسالي مع سقوط الشهوة ، فأكثره لضعف الكبد الكائن عن مزاج حار ، وفي أكثره يكون البراز يابساً محترقاً ، اللهم إلا أن يبلغ إلى أن يحرق الدم والأخلاط ولحمية الكبد ويسهلها . وإذا أخذ في إحراق الدم كان البراز كالمردي ، وإذا كان في الكبد احتراق ، أو ورم ، أو دبيلة ، ثم خرج بالبراز شيء أسود غليظ ، فذلك لحم الكبد قد تعفن ، وليس كل شيء أسود يخرج رديئاً ، وربما أقام الغسالي والصديدي المائي ، ثم غلظ وصار أسود غليظاً منتناً ، كما يكون في أصحاب الوباء ، وربما خرج بعد الصديدي دم ، ثم سوداء رقيقة . سوء المزاج البارد : علامته بياض الشفتين ، واللسان ، وقلة الحم ، وعسر جريه ، وكثرة البلغم ، وقلة العطش ، وفساد اللون ، وذهاب ما به ، فربما أصفر إلى خضرة وربما أصفر إلى فستقية . وأيضاً بياض البول ، وبلغميته ، وغلظه بسبب الجمود ، وفتور النبض ، وشدة الجوع ، فإن الجوع ليس إنما يكون من المعدة فقط ، وقلة الاستمراء ، وإذا بلغ البرد الغاية أعدم الشهوة . والبراز ربما كان يابساً بلا رائحة ، وربما كان رطباً لضعف الجذب ، وكان إلى البياض قليل الرائحة . وقد يرق معه البراز ، ويرطب ، إلا أنه لا يدوم كذلك متصلًا ، ولا يكثر معه الاختلاف . وإن كان ابتدائه وعروضه يطول ، وفي آخره يخرج شيء مثل الدم المتعفن ليس كالدم الذائب ، وقد يتبع المزاج البارد بعد مدة ما حميات لقبول الدم الرقيق الذي فيه العفونة التي تعرض له ، وهي حميات صعبة نذكرها في باب الحمّيات . وربما كان في أولها صديد رقيق ، ثم يغلظ ويسود ، وإن كان اختلاف شبيه بغسالة اللحم الطري ، وذلك مع الشهوة في الابتداء ، دل على برد . وإن عرض بعد ذلك سقوط الشهوة ، فربما كان لفساد الأخلاط ، أو لسبب آخر من حمّى ونحوها . وأكثر دلالته هو على ضعف عن برد ، وفي آخره تعود الشهوة ، ويفرط في أكثر الأمر ، ويتشنّج معه المراق . وقد يدلّ عليه السن ، والعادة ، والغذاء ، والأسباب ماضية مثل شرب ماء بارد على الريق ، أو في أثر الحمّام ، أو الجماع لأن الكبد الملتهبة تمتص من الماء حينئذ سريعاً